هو قول النبي صلى الله عليه وآله : (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله ، و عترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا).
بلغ هذا الحديث الشريف من الشهرة ما أغنى استطراد مصادره، فإنّه قد رواه الفريقان، و اعترفت به الفرقتان، و عرفه الخاصّ و العام، بل حفظه الصغير و الكبير، و العالم و الجاهل، فهو فاكهة الأندية و في مذاق الأفواه حتّى كاد أن يتجاوز حدّ التواتر.
غير أن الرّواة اختلفوا في نص هذا الحديث الشريف اختلافا كثيرا، إلا أن الاختلاف الّذي جاء فيه لا يغيّر مفاده، و لا يجعل منه منزعا للتأويل الزائغ، و لا ذريعة للفرار عمّا ألزم به منطوقه. و هذا الاختلاف يشهد لما قيل من أن رسول الله صلى الله عليه وآله نطق بمفاد هذا الحديث الشريف في عدّة مواطن، مراعيا وحدة المعنى.
و الغرض، كما أن تعدّد الرّواة له، و تعدّد الطّرق لروايته ينبئنا عن تعدّد تلك المواطن، ومن تلك المواطن :
1- حجة الوداع،
2- يوم عرفة عند مجتمع الناس،
3- يوم الغدير في خطبته،
4- و منها مرض موته عند وصاياه لأمته.
و سنذكر بعض من أخرج هذا الحديث الشريف من أئمّة أهل السنة قديما و حديثا في كتبهم من الصحاح، و السنن، و المسانيد و التفاسير، و السير، و التواريخ، و اللغة، و غيرها بأسانيد عديدة، و طرق شتى، و ذلك لزيادة الإيضاح و الاطمئنان، و تتميما للفائدة.
أخرج أحمد بن حنبل في مسنده 3: 17 عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه و آله قال: (إنّي أوشك أن أدعى فأجيب، و إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله عزّ و جلّ، و عترتي، كتاب الله حبل ممدود من السّماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي، و إن اللطيف الخبير أخبرني بهما أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما).
و أخرج أيضا في نفس المصدر ص 26 عن أبي سعيد الخدري حديثا آخر.
و أخرج أيضا في نفس المصدر ص 59 عن أبي سعيد الخدري حديثا آخر.
و أخرج في الجزء الرابع ص 367 عن زيد بن أرقم حديثا آخر.
و في صحيح مسلم 2: 238 قال النبي صلى الله عليه و آله: (و أنا تارك فيكم الثقلين: أوّلهما كتاب الله فيه الهدى و النور، فخذوا بكتاب الله و استمسكوا به، فحثّ على كتاب الله و رغب فيه، ثمّ قال: و أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي).
و أخرج المتقي الهندي في كنز العمال 7: 112 حديثا يقرب من حديث مسلم المتقدم.
و في صحيح الترمذي 2: 308 عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه و آله في حجّته يوم عرفة، و هو على ناقته القصوى، يخطب فسمعته يقول: (يا أيها النّاس! إنّي قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله، و عترتي أهل بيتي).
قال الترمذي – بعد إيراده الحديث – : و في الباب عن أبي ذر، و أبي سعيد، و زيد بن أرقم، و حذيفة بن أسيد. و فيه أيضا : عن زيد بن أرقم، قال رسول الله صلى الله عليه و آله: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي و لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما).
قال الترمذي – بعد إيراده الحديث – : هذا حديث حسن. و أخرج هذا الحديث الطبري في ذخائر العقبى: 16.
و أخرج الحاكم في المستدرك 3: 109 عن زيد بن أرقم، أنّ النّبي صلى الله عليه و آله قال في حجة الوداع: (إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله تعالى، وعترتي، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض).
و ذكر الحاكم هذا الحديث أيضا في ص 148 و 532 من مستدركه، و قال – بعد إيراده الحديث – : إنه صحيح على شرط الشيخين. و قد أورد هذا الحديث الذهبي في تلخيص المستدرك.
وقد أخرج القندوزي الحنفي حديث الثقلين في ينابيع المودة : 25 من طرق شتّى. و أخرج ص 36 عن الإمام الرضا عليه السلام أنه قال في العترة: و هم الذين قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ( إنيّ مخلّف فيكم الثقلين: كتاب الله، و عترتي أهل بيتي، ألا و إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما، أيّها النّاس إنّكم لا تعلموهم فإنّهم أعلم منكم).
و قد أخرج ابن حجر في صواعقه لحديث الثقلين طرقا كثيرة ، ففي الباب الحادي عشر منها بعد أن صرّح بكثرة طرقه، قال: اعلم أن الحديث التمس بذلك طرقا كثيرة، وردت عن نيف و عشرين صحابيّا، و مرّ له طرق مبسوطة في الشبهة الحادية عشرة، و في بعض تلك الطرق أنّه قال ذلك بحجّة الوداع بعرفة، و في أخرى أنّه قال بالمدينة في مرضه و قد امتلأت الحجرة بأصحابه، و في أخرى أنّه قال ذلك بغدير خم، و في أخرى أنّه قال [ ذلك ] لمّا قام خطيبا بعد انصرافه من الطائف كما مرّ. و لا تنافي إذ لا مانع من أنه كرّر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماما بشأن الكتاب العزيز، والعترة الطاهرة (الصواعق المحرقة : 150، مكتبة القاهرة.
و في تاريخ اليعقوبي 2: 93 قال النّبيّ صلى الله عليه و آله: (أيّها النّاس! إنّي فرطكم، و أنتم واردون عليّ الحوض، و إنيّ سائلكم حين تردون علي عن الثقلين، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما). قالوا: و ما الثقلان يا رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: (الثقل الأكبر كتاب الله سبب طرفه بيد الله، و طرف بأيديكم فاستمسكوا به و لا تضلّوا و لا تبدّلوا، و عترتي أهل بيتي).
إلى غير ذلك ممّا يطول الكلام باستقصاء ذكرهم كالطبري في ذخائر العقبى: 16 ، و الدارمي في سننه 2: 432، و النسائي في خصائصه: 30، و الكنجي الشافعي في كفاية الطالب الباب الأول:11 في بيان صحة خطبته بماء يدعى خما، قال بعد نقل الحديث : أخرجه مسلم في صحيحه.
و رواه أبو داود، و ابن ماجة القزويني في كتابيهما، و أيضا في الباب الحادي و الستين:130، و أبو نعيم الأصفهاني في حليته 1: 355، و ابن الأثير الجزري في أسد الغابة 2: 12 و 3: 147، و ابن عبد ربه في العقد الفريد 2: 346 و 158 في خطبة الّنبي صلى الله عليه وآله في حجّة الوداع.
و ابن الجوزي في تذكرة الخواص الباب الثاني عشر: 332 قال بعد نقل قول جدّه: وقد أخرجه أبو داود في سننه، و الترمذي أيضا، و ذكره رزين في الجمع بين الصّحاح، و العجب كيف خفي عن جدّي ما روى مسلم في صحيحه من حديث زيد بن أرقم. والحلبي الشافعي في إنسان العيون 3: 308.
و الثعلبي في الكشف و البيان في تفسير آية الإعتصام، و في تفسير آية الثقلان، و الفخر الرازي في تفسيره 3: 18 تفسير آية الإعتصام، و النيسابوري في تفسيره 1: 349 تفسير آية الإعتصام.
و الخازن في تفسيره 1: 257 في تفسير آية الإعتصام، و في الجزء الرابع: 94 في تفسير آية المودّة  و أيضا في تفسير آية (سنفرغ لكم أيها الثقلان) (1)، ص 212.
و ابن كثير الدمشقي في الجزء الرابع: 113 في تفسير آية المودّة، و في الجزء الثالث : 485 في تفسير آية التطهير، و أيضا في تاريخه في الجزء الخامس أو السادس في ضمن حديث الغدير، و ابن أبي الحديد في شرح النهج الجزء السادس: 130 في معنى العترة. و الشبلنجي في نور الأبصار: 99 و ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة: 25 و الحمويني في فرائد السمطين بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، و البغوي الشافعي في مصابيح السنة 2: 205 و 206.
قال الإمام شرف الدين رحمه الله في مراجعاته ص 42: و الصحاح الحاكمة بوجوب التّمسّك بالثقلين متواترة، و طرقها عن بضع و عشرين صحابيّا متظافرة، و قد صدح بها رسول الله صلى الله عليه و آله في مواقف له شتّى: تارة يوم غدير خم، و تارة يوم عرفة في حجّة الوداع، و تارة بعد انصرافه من الطائف، و مرة على منبره في المدينة، و أخرى في حجرته المباركة في مرضه، و الحجرة غاصة بأصحابه إذ قال: (أيها الناس يوشك أن أقبض قبضا سريعا فينطلق بي، و قد قدمت إليكم القول معذرة إليكم، ألا إنّي مخلف فيكم كتاب الله عزّ و جلّ و عترتي أهل بيتي)، ثم أخذ بيد علي عليه السلام فرفعها، فقال: ( هذا علي مع القرآن، و القرآن مع علي لا يفترقان حتّى يردا علىّ الحوض) الحديث، ثم قال: أخرجه الطبراني كما في أربعين الأربعين للنبهاني، و في إحياء الميت للسيوطي. و أنت تعلم أن خطبته صلى الله عليه و آله يومئذ لم تكن مقصورة على هذه الكلمة، فإنّه لا يقال عمّن اقتصر عليها أنّه خطبنا، لكن السياسة كم اعتقلت ألسن المحدثين، و حبست أقلام الكاتبين، و مع ذلك فإنّ هذه القطرة من ذلك البحر، و الشذرة من ذلك البذر كافية وافية و الحمد لله، انتهى . صريحة  واضحة على خلافة أمير المؤمنين عليه السلام و أبنائه الأئمة الأحد عشر المعصومين عليهم السلام لأنّ النّبيّ الأمين صلى الله عليه وآله قرنهم بالكتاب المبين، والقرآن هو المرجع الأوّل للأمّة الإسلاميّة بلا منازع من بدء الدّعوة إلى منتهى الدّنيا، كالكتاب العزيز لجعلهما خليفتيه فيها، و أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض يوم القيامة، و جعل التّمسّك بهما شرطا لعدم الضّلال، فمن حاد عنهما هلك وهوى، و لأجل قرنه أهل بيته بكتاب الله المعجز، و أمره الأمّة بالتّمسّك بهما معا، فلا يجوز التّمسّك بأحدهما دون الآخر. فلا بدّ لكلّ مكلّف من أن يتمسّك بالثقلين معا لا بالكتاب وحده دون قرينه العترة، و لا بالعترة وحدها دون مصدرها الكتاب، و إنّما يكون الأخذ بهما معا مقترنين، و بعروتيهما معا متفقين بل ما هما إلا عروة واحدة، لا يمكن التفكيك بين حلقها المتماسك، غير أن العترة اللسان الناطق للكتاب الصامت، فلا نقدر أن نتمسّك بالكتاب من دون طريقهم لأن معرفة ما فيه يكشف خفاياه، و التمييز بين محكمه و متشابهه، و ناسخه و منسوخه، و ما سوى ذلك لا يكون صحيحا إلا من بيانهم و إيضاحهم. فالأخذ بهما معا أخذ بحظ وافر، يرجى للآخذ بهما النّجاة بلا ريب ، و للمعرض عنهما أو عن أحدهما الهلاك و الخسران، و أنه غير ناج إذ أن صاحب الشريعة المقدّسة حرّض على الأخذ بهما معا، و الرسول الأعظم لا يأمر بشئ عبثا، و لا ينهي عن شئ كذلك إذ أنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي  يوحى (سورة النجم: 3 – 4) فالواجب المقطوع به التّمسّك بكتاب الله و العترة الطاهرة لتحصيل النّجاة من النّار، و الفوز العظيم بالنعيم الأبدي.
سمّی رسول الله صلی الله علیه و آله القرآن و عترته و هی بالمثناة الفوقیّة الاهل و النسل و الرهط الادنون ثقلین لان الثقل کل نفیس خطیر مصون و هذان کذلک اذ کلّ منهما معدن للعلوم الدینیّة و الاسرار و الحکم العلیّة و الاحکام الشّرعیّة. و لذا حثّ رسول الله صلی الله علیه و آله علی الاقتداء و التّمسّک و التعلّم منهم و قال الحمد لله الذی جعل فینا الحکمة اهل البیت. و قیل سمّیا ثقلین لثقل وجوب رعایة حقوقهما ثمّ الذین وقع الحثّ علیهم منهم العارفون بکتاب الله و سنّة رسوله اذ هم الذین لا یفارقون الکتاب الی الحوض و تمیّزوا بذلک عن بقیّة العلماء لان الله أذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهیرا و شرّفهم بالکرامات الباهرة و المزایا المتکاثرة.
و هذه الاحادیث (ای احادیث الثقلین) یدل علی بقاء اهل بیت النبی الی یوم القیامة لان القرآن باجماع الفریقین حجّة الاهیِة الی یوم البعث و لا یرفع ابدا و لابدّ ثقله و کفله ای العترة الطاهرة موجودة الی یوم القیامة و ان النبی صلی الله علیه و آله قال: «انهما لن یفترقا حتی یردا علیّ الحوض.» و هذه الاحادیث نصّ علی حیاة حجّة الله؛ و بشّر النبی صلی الله علیه و آله امّته بعدم خلوه من العترة الطاهرة و وصی الرسول وجود مادام السماوات و الارض موجودة امّا ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا لئلا یبطل حجّج الله و بیّناته.

————————————————————————————————–
1- سورة الرحمن: الآية 31