حیرة العلماء العامة فی بیان الائمة الاثنی عشر

لقد حار علماء مدرسة الخلفاء فی بیان المقصود من الاثنی عشر فی الروایات المذکورة و تضاربت أقوالهم.
فقد قال ابن العربی فی شرح سنن الترمذی: «فعددنا بعد رسول الله (صلی) اثنی عشر أمیراً فوجدنا: أبابکر، عمر، عثمان، علیّاً، الحسن، معاویة، یزید، معاویة بن یزید، مروان، عبد الملک بن مروان، الولید، سلیمان، عمر بن عبد العزیز، یزید بن عبد الملک، مروان بن محمد بن مروان، السفاح ….»
ثمّ عدّ بعده سبعاً و عشرین خلیفة من العباسیّین إلى عصره، ثمّ قال: «و إذا عددنا منهم اثنی عشر انتهى العدد بالصورة إلى سلیمان، و إذا عددناهم بالمعنی کان معنا منهم خمسة، الخلفاء الأربعة و عمر بن عبد العزیز، و لم أعلم للحدیث معنى» (شرح ابن العربی على سنن الترمذی 9: 68 ـ 69.)
و قال القاضی عیاض فی جواب القول: أنّه ولّی أکثر من هذا العدد؟ : «هذا اعتراض باطل، لأنّه (ص) لم یقل: لا یلی إلاّ اثنا عشر، و قد ولّی هذا العدد، و لا یمنع ذلک من الزیادة علیهم». (شرح النووی على مسلم 12: 201 ـ 202. و فتح الباری 16: 339 و اللفظ منه و کرّره فی ص341).
و نقل السیوطی فی الجواب: «أنّ المراد: وجود اثنی عشر خلیفة فی جمیع مدّة الإسلام إلى القیامة یعملون بالحقّ و إن لم یتوالوا.» (تاریخ الخلفاء للسیوطی: 12)
و فی فتح الباری: «و قد مضى منهم الخلفاء الأربعة و لابدّ من تمام العدة قبل قیام الساعة.»
و قال ابن الجوزی: «و على هذا فالمراد من “ثمّ یکون الهرج”: الفتن المؤذنة بقیام الساعة من خروج الدجال و ما بعده.» (فتح الباری 6: 341. و تاریخ الخلفاء للسیوطی: 12)
قال السیوطی: «و قد وجد من الاثنی عشر الخلفاء الأربعة و الحسن و معاویة و ابن الزبیر و عمر بن عبد العزیز، هؤلاء ثمانیة، و یحتمل أن یضمّ إلیهم المهدیّ العباسی لأنّه فی العباسیّین کعمر بن عبد العزیز فی الأمویّین، و الطاهر العباسی أیضاً لما أوتیه من العدل و یبقى الاثنان المنتظران أحدهما المهدیّ لأنّه من أهل البیت.» (1).
و قیل: المراد: أن یکون الاثنا عشر فی مدّة عزّة الخلافة و قوة الإسلام و استقامة أموره، ممّن یعزّ الإسلام فی زمنه، و یجتمع المسلمون علیه. (2)
و قال البیهقی: و قد وجد هذا العدد بالصفة المذکورة إلى وقت الولید بن یزید بن عبد الملک، ثمّ وقع الهرج و الفتنة العظیمة، ثمّ ظهر ملک العباسیّة، و إنّما یزیدون على العدد المذکور فی الخبر إذا ترکت الصفة المذکورة فیه، أو عدّ منهم من کان بعد الهرج المذکور. (3)
و قالوا: و الذین اجتمعوا علیه: الخلفاء الثلاثة ثمّ علیّ إلى أن وقع أمر الحکمین فی صفّین فتسمّى معاویة یومئذ بالخلافة، ثمّ اجتمعوا على معاویة عند صلح الحسن، ثمّ اجتمعوا على ولده یزید و لم ینتظم للحسین أمرٌ بل قتل قبل ذلک، ثمّ لمّا مات یزید اختلفوا إلى أن اجتمعوا على عبد الملک بن مروان بعد قتل ابن الزبیر، ثمّ اجتمعوا على أولاده الأربعة: الولید، ثمّ سلیمان، ثمّ یزید، ثمّ هشام، و تخلل بین سلیمان و یزید، عمر ابن عبد العزیز، و الثانی عشر هو الولید بن یزید بن عبد الملک، اجتمع الناس علیه بعد هشام تولى أربع سنین. (تاریخ الخلفاء: 11 و الصواعق: 19 و فتح الباری 16: 341).
بناءً على هذا فإنّ خلافة هؤلاء الاثنی عشر کانت صحیحة، لإجماع المسلمین علیهم، و کان الرسول قد بشِّرَ المسلمین بخلافتهم له فی حمل الإسلام إلى الناس.
قال ابن حجر عن هذا الوجه: إنّه أرجح الوجوه.
و قال ابن کثیر: «إنّ الّذی سلکه البیهقی و وافقه علیه جماعة: من أنّ المراد هم الخلفاء المتتابعون إلى زمن الولید بن یزید بن عبد الملک الفاسق الّذی قدمّنا الحدیث فیه بالذمّ و الوعید، فإنّه مسلک فیه نظر، و بیان ذلک: أنّ الخلفاء إلى زمن الولید بن یزید هذا أکثر من اثنی عشر على کلّ تقدیر، و برهانه أنّ الخلفاء الأربعة: أبوبکر و عمر و عثمان و علیّ خلافتهم محقّقة … ثمّ بعدهم الحسن بن علیّ کما وقع، لأنّ علیّاً أوصى إلیه و بایعه أهل العراق… حتى اصطلح هو و معاویة … ثمّ ابنه یزید بن معاویة، ثمّ ابنه معاویة بن یزید، ثمّ مروان بن الحکم، ثمّ ابنه عبدالملک بن مروان، ثمّ ابنه الولید بن عبد الملک، ثمّ سلیمان بن عبد الملک، ثمّ عمر بن عبد العزیز، ثمّ یزید بن عبد الملک، ثمّ هشام بن عبد الملک، فهؤلاء خمسة عشر، ثمّ الولید بن یزید بن عبد الملک، فإن اعتبرنا ولایة ابن الزبیر قبل عبد الملک صاروا ستّة عشر، و على کلّ تقدیر فهم اثنا عشر قبل عمر بن عبد العزیز، و على هذا التقدیر یدخل فی الاثنی عشر یزید بن معاویة و یخرج عمر بن عبد العزیز، الّذی أطبق الأئمة على شکره و على مدحه و عدُّوهُ من الخلفاء الراشدین، و أجمع الناس قاطبة على عدله، و أنّ أیّامه کانت من أعدل الأیام حتى الرافضة یعترفون بذلک. فإنْ قال: أنا لا أعتبر إلاّ من اجتمعت الأمّة علیه لزمه على هذا القول أن لا یعدّ علیّ بن أبی طالب و لا ابنه، لأنّ الناس لم یجتمعوا علیهما، و ذلک أنّ أهل الشام بکمالهم لم یبایعوهما.»
و ذکر: «أنّ بعضهم عدّ معاویة و ابنه یزید و ابن ابنه معاویة بن یزید، و لم یقید بأیّام مروان و لا ابن الزبیر، لأنّ الأمّة لم تجتمع على واحد منهما، فعلى هذا نقول فی مسلکه هذا عادّاً للخلفاء الثلاثة، ثمّ معاویة، ثمّ یزید، ثمّ عبد الملک، ثمّ الولید ابن سلیمان، ثمّ عمر بن عبد العزیز، ثمّ یزید، ثمّ هشام، فهؤلاء عشرة، ثمّ من بعدهم الولید بن یزید بن عبد الملک الفاسق، و یلزمه منه إخراج علیّ و ابنه الحسن، و هو خلاف ما نصّ علیه أئمّة السنّة بل الشیعة.» (تاریخ ابن کثیر 6: 249 ـ 250.)
و نقل ابن الجوزی فی “کشف المشکل” وجهین فی الجواب: «أولا: أنّه (ص) أشار فی حدیثه إلى ما یکون بعده و بعد أصحابه، و إنّ حکم أصحابه مرتبط بحکمه، فأخبر عن الولایات الواقعة بعدهم، فکأنّه أشار بذلک إلى عدد الخلفاء من بنی أمیّة، و کأنّ قوله: “لا یزال الدین” أی الولایة إلى أن یلی اثنا عشر خلیفة، ثمّ ینتقل إلى صفة أخرى أشدّ من الأولى، و أوّلُ بنی أمیّة یزید بن معاویة و آخرهم مروان الحمار، و عدّتهم ثلاثة عشر، و لا یعدّ عثمان و معاویة و لا ابن الزبیر لکونهم صحابة، فإذا أسقطنا منهم مروان بن الحکم للاختلاف فی صحبته، أو لأنّه کان متغلّباً بعد أن اجتمع الناس على عبد الله بن الزبیر، صحّت العدّة، و عند خروج الخلافة من بنی أمیّة وقعت الفتن العظیمة و الملاحم الکثیرة حتى استقرّت دولة بنی العباس فتغیّرت الأحوال عمّا کانت علیه تغییراً بیّناً.». (فتح الباری 16: 340 عن ابن الجوزی فی کتابه کشف المشکل)
و قد ردّ ابن حجر فی فتح الباری على هذا الاستدلال.
و نقل ابن الجوزی الوجه الثانی عن الجزء الذی جمعه أبو الحسین بن المنادی فیالمهدی، و أنّه قال: «یحتمل أن یکون هذا بعد المهدی الذی یخرج فی آخر الزمان، فقد وجدت فی کتاب دانیال: إذا مات المهدی، ملک بعده خمسة رجال من ولد السبط الأکبر، ثمّ خمسة من ولد السبط الأصغر، ثمّ یوصی آخرهم بالخلافة لرجل من ولد السبط الأکبر، ثمّ یملک بعده ولده، فیتمّ بذلک اثنا عشر ملکاً کلّ واحد منهم إمام مهدیّ. قال: وفی روایة: … ثمّ یلی الأمر بعده اثنا عشر رجلا: ستّة من ولد الحسن، و خمسة من ولد الحسین، و آخر من غیرهم، ثمّ یموت فیفسد الزمان.»
علّق ابن حجر على الحدیث الأخیر فی صواعقه و قال: «إنّ هذه الروایة واهیة جدّاً فلا یعول علیها.»(4)
و قال قوم: یغلب على الظنّ أنّه علیه الصلاة و السلام أخبر ـ فی هذا الحدیث ـ بأعاجیب تکون بعده من الفتن حتى یفترق الناس فی وقت واحد على اثنی عشر أمیراً، و لو أراد غیر هذا لقال: یکون اثنا عشر أمیراً یفعلون کذا، فلمّا أعراهم عن الخبر عرفنا أنّه أراد أنّهم یکونون فی زمن واحد …» (5)
قالوا : وَقَعَ وَقْعٌ فی المائة الخامسة، فإنّه کان فی الأندلس وحدها ستّة أنفس کلّهم یتسمّى بالخلافة و معهم صاحب مصر و العباسیة ببغداد إلى من کان یدّعی الخلافة فی أقطار الأرض من العلویة و الخوارج(6).
قال ابن حجر: «و هو کلام من لم یقف على شیء من طرق الحدیث غیر الروایة التی وقعت فی البخاری هکذا مختصرة.» (فتح الباری 16: 338) … و قال: «إنّ وجودهم فی عصر واحد یوجد عین الافتراق فلا یصحّ أن یکون المراد.» (فتح الباری 16: 339)
هکذا لم یتّفقوا على رأی فی تفسیر الروایات السابقة، ثمّ إنّهم أهملوا إیراد الروایات الذی ذکر الرسول (صلى الله علیه وآله) فیها أسماء الاثنی عشر، لأنّها کانت تخالف سیاسة الحکم بمدرسة الخلفاء مدى القرون. و خرّجها المحدّثون بمدرسة أهل البیت (علیهم السلام) فی تآلیفهم بسندهم إلى أبرار الصحابة عن رسول الله (صلى الله علیه و آله)، و نقتصر هنا على إیراد یسیر منها فی ما یأتی ممّا رواه الفریقان.
أسماء الاثنی عشر لدى مدرسة الخلفاء:
1- الجوینی: قال الذهبی فی ترجمة شیوخه بتذکرة الحفاظ ص1505: الإمام، المحدّث الأوحد، الأکمل، فخر الإسلام، صدر الدین إبراهیم بن محمد بن حمویه الجوینی الشافعی، شیخ الصوفیة. و کان شدید الاعتناء بالروایة و تحصیل الأجزاء. أسلم على یده غازان الملک. «عن عبدالله بن عباس، قال: قال رسول الله (ص): “أنا سیّد النبیّین و علیّ بن أبی طالب سیّد الوصیّین، و أنّ أوصیائی بعدی اثنا عشر، أوّلهم علیّ بن أبی طالب و آخرهم المهدی”.
2- الجوینی ـ أیضاً ـ بسنده عن ابن عباس، قال: قال رسول الله (ص): “إنّ خلفائی و أوصیائی و حجج الله على الخلق بعدی الاثنی عشر أوّلهم أخی و آخرهم ولدی”.
قیل: یا رسول الله، و من أخوک؟
قال: “علیّ بن أبی طالب”.
قیل: فمن ولدک؟
قال: “المهدی الذی یملأها قسطاً و عدلا کما ملئت جوراً و ظلماً، و الذی بعثنی بالحقّ بشیراً و نذیراً لو لم یبق من الدنیا إلاّ یوم واحد لطوّل الله ذلک الیوم حتى یخرج فیه ولدی المهدی فینزل روح الله عیسى بن مریم فیصلّی خلفه، و تشرق الأرض بنور ربّها، و یبلغ سلطانه المشرق و المغرب”.
3- الجوینی ـ أیضاً ـ بسنده قال: سمعت رسول الله (ص) یقول: “أنا و علیّ و الحسن و الحسین و تسعة من ولد الحسین مطهّرون معصومون. ( الأحادیث 1، 2، 3 وردت فی فرائد السمطین نسخة مصوّرة مخطوطة فی المکتبة المرکزیة لجامعة طهران برقم 1164/1690 ـ 1691 الورقة 160)
اقتضت سیاسة الحکم لدى مدرسة الخلفاء مدى القرون إخفاء أمثال الأحادیث الآنفة عن أبناء الأمة الإسلامیة و إسدال الستار علیها. و جاهد القسم الأکبر من أتباع مدرستهم فی هذا السبیل کما مرّ بنا فعلهم بأمثالها فی بحث دراسة عمل مدرسة الخلفاء بنصوص سنّة الرسول (صلى الله علیه و آله) الّتی تخالف اتّجاهها.

النقد و الابرام فی اقوال العلماء العامة:

فإذا كان ممن يجب طاعته و الاقتداء به المتوقف على معرفته، فلابد أن يكون حاوياً لشروط الخلافة و مساهميته القرآن حتى يكن الجهل به سبباً للكفر و يكون من أئمّة الهدى الذين احتج الله بهم على عباده و خلفهم النبي صلى الله عليه و آله و سلم في أمته، و هو بعينه من جعله شريك القرآن و قال (من تمسك بهما لن يضل أبداً)، و ليس في كل زمان خليفة يجب التمسك به و إلا فالضلالة و إمام غيره يجب معرفته و إلا فموته الجاهلية بل هو هو، و لذا قرنه بالكتاب في الخبر الأخير و قد بين عدد الخلفاء الذين هو بالنظر إلى هذه النصوص أئمّة الزمان، فلا بدّ أن يكون في كل عصر من يجب معرفته و التمسك به.
و لا يجوز لأحد أن يدعي التمسك بهذه الأحاديث إلا معاشر الإمامية، و إلا فلابد لغيرهم إما الاعتراف بوجوب التمسك بيزيد بن معاوية و الوليد بن يزيد بن عبدالملك و مروان الحمار و وجوب معرفتهم و الاقتداء بأقوالهم و أفعالهم، وكذا وجوب التمسك بغير القرشي و وجوب معرفته أو التخصيص في الأزمان بحد يستهجنه كل متكلم، كل ذلك خروج عن ظاهر هذه السنن الشريفة.
و حيث علم أن إمام كل زمان الذي يجب معرفته هو بعينة الخليفة الذي أخبر به يظهر أنه لا بدّ و أن يكون الإثنا عشر متوالياً مع أنه ظاهر الأخبار السابقة و إلاّ لزم إمّا خلو الزمان عنهما أو القول بأن أحدهما غير الآخر و كلاهما فاسد بظواهر هذه النصوص.
(و منها) أن كل ما قيل فيها من التأويل مضافاً إلى عدم وجود شاهد له ظاهر الفساد، فإن أحسن ما قيل فيه هو: ما ذكره القاضي عياض و رجحه الحافظ ابن حجر و قرره جلال الدين السيوطي في تاريخ الخلفاء و ارتضاه ابن حجر المتأخر في الصواعق؛ و وجوه فساده لا تحصى.
قال السيطوطي في (تاريخ الخلفاء): قال القاضي عياض: لعل المراد بالاثني عشر في هذه الأحاديث و ما شابهها أنهم يكونون في مدة غرة الخلافة و قوّة الإسلام و استقامة اموره و الإجتماع على من يقوم بالخلافة، و قد وجد هذا فيمن اجتمع عليه الناس إلى أن اضطرب أمر بني أمية و وقعت بينهم الفتنة زمن الوليد بن يزيد فاتصلت بينهم إلى أن قامت دولة العباسية فاستأصلوا أمرهم.
قال شيخ الإسلام ابن حجر في (شرح البخاري): كلام القاضي عياض أحسن ما قيل في الحديث و أرجحه، لتأييده بقوله في بعض طرق الحديث الصحيحة كلهم يجتمع عليه الناس. و إيضاح ذلك أن المراد بالاجتماع انقياده لبيعته، و الذي وقع أن الناس اجتمعوا على أبي بكر ثمّ عمر ثمّ عثمان ثمّ عليّ إلى أن وقع أمر الحكمين في صفين فتسمى معاوية يومئذ بالخلافة، ثم اجتمع الناس على معاوية عند صلح الحسن، ثم اجتمعوا على ولده يزيد و لم ينتظم للحسين أمر بل قتل قبل ذلك، ثم لما مات يزيد وقع الاختلاف إلى أن اجتمعوا على عبدالملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير، ثم اجتمعوا على أولاده الأربعة الوليد ثم سليمان ثم يزيد ثم هشام و تخلل بين سليمان و يزيد عمر بن عبد العزيز فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين، و الثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك اجتمع الناس عليه لما مات عمه هشام فولى نحو أربع سنين، ثم قاموا عليه فقتلوه و انتشرت الفتن و تغيّرت الأحوال من يومئذ، و لم يتّفق أن يجتمع الناس على خليفة بعد ذلك، لأن يزيد بن الوليد الذي قام على ابن عمه الوليد ابن يزيد لم تطل مدته بل ثار عليه قبل أن يموت ابن عم أبيه مروان بن محمد بن مروان، و لما مات يزيد ولي أخوه ابراهيم فقتله مروان، ثم ثار على مروان بنو العباس إلى أن قتل.
ثمّ كان أوّل خلفاء بني العبّاس السفاح و لم تطل مدته مع كثرة من ثار عليه ثمّ ولي أخوه المنصور فطالت مدته لكن خرج عنهم المغرب الاقصى باستيلاء المروانيين على الأندلس و استمرت في أيديهم متغلبين عليها إلى أن تسموا بالخلافة بعد ذلك و انفرط الأمر إلى أن لم يبق من الخلافة إلا الاسم في البلاد بعد أن كان في أيام بني عبد الملك بن مروان يخطب للخليفة في جميع الأقطار من الأرض شرقاً و غرباً يميناً و شمالاً مما غلب عليه المسلمون، و لا يتولّى أحد في بلد من البلاد كلها الأمارة على شيء منها إلا بأمر الخليفة، و من انفراط الامر أنه كان في المائة الخامسة بالأندلس وحدها ستة أنفس كلهم يتسمى بالخلافة، و معهم صاحب مصر العبيدي و العباسي ببغداد خارجاً عمن كان يدعي الخلافة في أقطار الأرض من العلوية و الخوارج _ انتهى.
و حاصله: أن المراد بالخلفاء الاثني عشر الذي اخبر بهم النبي صلى الله عليه و آله و سلم و أنهم سبب عز الدين و كلّهم يعملون بالهدى و دين الحق هم الخلفاء الأربعة و معاوية و ولده يزيد و عبد الملك بن مروان و الوليد بن عبد الملك و أخوه سليمان و أخوه يزيد و أخوه هشام بن عبد الملك و عمر بن عبد العزيز و الوليد بن يزيد بن عبدالملك الملقب بالزنديق و الفاسق، و المستند أن الناس اجتمعوا عليهم دون غيرهم، و اقتصروا من شروط الخلافة بما انفرد به بعضهم في بعض طرق الحديث وكلهم يجتمع عليه الناس، فمع الاجتماع يصير مصداقاً للنبوي الشريف سواء كان فيه العلم والهداية والعدالة والعمل بالحق أو كان فاقداً لجميعها حتى الإيمان و لا بدّ من الإشارة إلى بعض ما في هذا الكلام من المفاسد و اللوازم الباطلة التي لا يلتزم بها أحد:
1 – أنه كما قيد الأخبار المطلقة بما في بعض الطرق من قوله (و كلهم يجتمع عليه الناس) فلابد من تقييدها أيضاً بقوله صلى الله عليه و آله و سلم في بعض طرقها (و كلهم يعمل بالهدى و دين الحقّ)، و عليه فيخرج بعض هؤلاء مما لا خلاف في عدم عمله بهما كما ستعرف.
2 – كيف أخرج الحسن بن عليّ عليهما السلام من هذا العدد مع أنه صرح في أوّل هذا الفصل و قال: قال الإمام أحمد حدّثنا بهر حدّثنا حماد بن سلمة حدثنا سعيد بن جمهان عن سفينة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يقول: الخلافة ثلاثون عاماً ثمّ يكون بعد ذلك الملك _ أخرجه أصحاب السنن و صححه ابن حبان و غيره.
قال العلماء: لم يكن في الثلاثين بعده صلى الله عليه و آله و سلم إلى الخلفاء الأربعة و أيام الحسن.
و قال البزار: حدّثنا محمّد بن سكين، حدثنا يحيى بن حسان، حدثنا يحيى بن حمزة عن مكحول، عن أبي ثعلبة، عن أبي عبيدة بن الجراح قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: أوّل دينكم بدأ نبوة و رحمة، ثم يكون الخلافة و رحمة، ثم يكون ملكاً و جبرية. حديث حسن _ انتهى.
فالحسن عليه السلام خليفة بنص منه صلى الله عليه و آله و سلم، فإن عدد الخلفاء الأربعة من الاثني عشر فلا بدّ من عده أيضاً فيها، و ما تشبث به من الاجتماع على فرض التسليم لا يعارض النص الصريح الصحيح، مع أنه لو بنى على اخراجه لعدم اجتماع أهل الشام عليه يلزم إخراج والده أمير المؤمنين عليه السلام منها أيضاً لعدم اجتماعهم عليه من أول خلافته إلى آخره، بل إخراجه عليه السلام منها أولى من إخراج المنصور منها لعدم اجتماع أهل أندلس عليه و هم في أقصى المغرب و نصارى هذه المملكة أضعاف المسلمين، بخلاف الشام الواقع في بحبوبة بلاد المسلمين، و من ذلك يعلم أن قوله (و كلهم يجتمع …) من زيادة الراوي لا تصلح لتقييد الأخبار المطلقة.
3 – إن ظاهر نسبة الفعل إلى أحد صدوره منه قاصداً اختياراً من غير جبر و اكراه، فقوله (يجتمع) على فرض التسليم أي باختيارهم و رضاهم. و لا يخفى على ذي مسكة أن اجتماع الناس على ملوك بني أمية كان للقهر و الغلبة و الخوف منهم و أخذهم البيعة على الناس بسيفهم كما هو مشروح في السير و التوايخ، و هل يمكن أن ينسب أحد إلى أهل مكة و المدينة و فيهم وجوه الفقهاء و المحدثين و بقية الصحابة و كبار التابعين و المشايخ من أولاد المهاجرين و الأنصار أنهم باختيارهم اجتمعوا على يزيد بن معاية و اختاروه لخلافة الأمة؟! ولعمري هذا ازراء بهم من حيث لا يعلم، و هل هو إلا لما رأوا من قهره و غلبته و تجريه على سفك الدماء فحفظوا أنفسهم و لم يلقوها إلى التهلكة فبايعه من بايع و تخلّف عنه من تخلّف؟!
4 – كف جوزوا الخلافة المنعوتة على لسان النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم في جميع بني أمية و قد رووا فيهم من الذموم ما رووا؟!
فروى الإمام الثعلبي في تفسيره مسنداً عن سعيد بن المسيب في قول الله عز وجل: (وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ). قال: أرى بني أمية على المنابر فساءه ذلك فقيل له إنها الدنيا يعطونها، فنزل عليه (إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ) قال: بلاء الناس.
و بإسناده عن المهلبي عن سهل بن سعد عن أبيه قال: رأى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فساءه، فما استجمع ضاحكاً حتى مات، فأنزل الله عز وجل في ذلك: (وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ).
و بإسناده عن عمر بن الخطاب في قوله تعالى: (الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ) قال: هما الأفجران من قريش بنو المغيرة و بنو أمية، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر و أما بنو أمية فمتعوا إلى حين.
و قال الثعلبي في قوله تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَْرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ) نزلت في بني أمية و بني هاشم _ انتهى.
أترى النبي صلى الله عليه و آله و سلّم يراهم كالقردة و يرى أن الله تعالى كنى عنهم بالشجرة الملعونة ثمّ يقول في سبعة منهم أنهم خلفاء يهدون بالحقّ و يعملون به و يعزّ في عصرهم الدين؟! حاشا أقواله و أفعاله من التناقض!
و في (عقد الدرر) لأبي بدر السلمى عن علقمة، قال: قال لنا ابن مسعود: قال لنا رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: أحذركم سبع فتن تكون بعدي: فتنة تقبل من المدينة و فتنة تقبل من مكة، و فتنة تقبل من اليمن، و فتنة تقبل من الشام، و فتنة تقبل من المشرق، و فتنة تقبل من المغرب، و فتنة من المغرب من بطن الشام و هي السفياني.
و قال ابن مسعود: فمنكم من يدرك أولها و منكم من يدرك آخرها، فكانت فتنة المدينة من قبل طلحة الزبير، و فتنة مكة من قبل عبد الله بن الزبير، و فتنة الشام من قبل بني أمية، و فتنة بطن الشام من قبل هؤلاء. أخرجه الحافظ أبو عبدالله الحاكم في مستدركه و قال: هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه.
5 – ثمّ كيف جوزوا في خصوص بني مروان منهم أن يكون فيهم خلفاء هادون و قد لعنهم رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم؟! قال كمال الدين الدميري الشافعي في “حياة الحيوان”: روى الحاكم في كتاب “الفتن و الملاحم” من المستدرك عن عبدالرحمن بن عوف قال: كان لا يولد لأحد مولود إلا أتى به رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فيدعو له، فأدخل عليه مروان بن الحكم فقال: هو الوزغ ابن الوزغ الملعون ابن الملعون. ثم قال صحيح الإسناد.
و عن عمر بن مرة الجهني و كانت له صحبة: أن الحكم بن أبي العاص استأذن على النبي صلى الله عليه و آله و سلم فعرف صوته فقال: ءاذنوا له عليه و على من يخرج من صلبه لعنة الله إلا المؤمن منهم و قليل ما هم، يترفهون في الدنيا و يضيعون في الآخرة ذوو مكر و خديعة يعطون في الدنيا و ما لهم في الآخرة من خلاق.
و أخرج أبو داود في سننه بإسناده عن عمرو بن يحيى قال: أخبرني جدى قال: كنت جالساً مع أبي هريرة في مسجد رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يوماً بالمدينة و معنا مروان، فقال أبو هريرة، سمعت الصادق المصدق يقول: هلاك أمتي على يدي غلمة قريش. قال مروان: لعنة الله عليهم غلمة. قال أبو هريرة: لو شئت أن أقول من بني فلان و بني فلان فعلت. قال: و كنت أخرج مع جدي سعيد إلى الشام حين ملكه بنو مروان فإذا رآهم غلماناً أحداثاً قال لنا عيسى: هؤلاء الذي عنى أبو هريرة. فقلت: أنت أعلم.
و رواه البخاري في باب قول النبي صلى الله عليه و آله و سلم: هلاك أمتي على يدي أغيلمة سفهاء.
و عن أبي الحسن أحمد بن جعفر بن محمد بن عبدالله في كتابه في الملاحم بإسناده عن زيد بن وهب أنه كان عند معاوية و دخل عليه مروان في حوائجه فقال: اقض حوائجي يا أميرالمؤمنين فإني أصبحت أبا عشرة و أخا عشرة! و قضى حوائجه ثم خرج، فلما أدبر قال معاوية لابن عباس و هو معه على السرير: أنشدك الله يا ابن عباس أما تعلم أن رسول الله قال ذات يوم: إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين اتّخذوا مال الله عليهم دولا و عباد الله خولا و كتابه دخلا، فإذا بلغوا تسعة و تسعين و أربعمائة كان هلاكهم أسرع من أول مرة. فقال ابن عباس: اللهم نعم. ثم أن مروان ذكر حاجة لما حصل في بيته فوجه ابنه عبدالملك إلى معاوية فكلّمه فيها فقضاها، فلما أدبر عبدالملك قال معاوية لابن عباس: أنشدك الله يا ابن عباس أما تعلم أن رسول الله ذكر هذا. فقال: هذا أبو الجبابرة الأربعة. فقال ابن عباس: اللهم نعم، فعند ذلك ادعى معاوية زياداً.
و قال العلامة الزمخشري في “الفائق”: و في حديث أبي هريرة: إذا بلغ بنو العاص ثلاثين رجلاً كان مال الله دولا وعباده خولا، و نشأ للحكم بن أبي العاص أحد و عشرون ابناً و ولد لمروان بن الحكم تسعة بنين _ انتهى.
و مع ذلك كله كيف رضي هؤلاء الأعلام أن يجعلوا الذين لعنهم رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و عدّهم من الجبابرة من خلفائه الإثني عشر الّذي يعملون بالهدى و دين الحق و كان الإسلام في عهدهم عزيزاً منيعاً مع ما وقع في عهدهم من سفك الدماء المحرمة و هتك الفروج المحترمة حتى المحارم و حل الأموال المعتصمة ما لا يحصى و التجاهر بشرب الخمور و اللعب بالقمار و اللواط و غيرها بما لم يقع في عصر فكان الإسلام بهم ذليلاً مهاناً!
و إن هؤلاء الأجلة كيف استحنوأ ان يكون يزيد بن معاوية من الخلفاء الهداة الاثني عشر العاملين بالحق مع ما كان عليه من الفساد و ما صدر منه مما بكت و تبكي منه السبع الشداد من وقعة الطف و وقعة الحرة و هتك بيت الحرام، و قد ألف فيها بالانفراد كتب و رسائل سوى ما في التواريخ و السير.
و قال ابن الجوزي في كتابه المسمى بـ “الرد على المعتصب العنيد المانع عن لعن يزيد” اعلم: أنه ما رضي ببيعة يزيد أحد ممن يعول عليه حتى العوام أنكروا ذلك غير أنهم سكتوا خوفاً على أنفسهم.
و قال: أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي البزاز، عن أبي اسحاق البرمكي، عن أبي بكر عبدالعزيز بن جعفر، قال أنبأنا أحمد بن محمد الخلال، قال نبأ محمد بن علي، قال نبأ مهنى بن يحيى، قال سألت أحمد عن يزيد بن معاوية قال: هو الذي فعل بالمدينة ما فعل. قلت: و ما فعل؟ قال: نهبها. قلت: يذكر عن الحديث. قال: لا يذكر عن الحديث و لا ينبغي أن يكتب له حديثاً. قلت: و من كان معه حين فعل ما فعل؟ قال: أهل الشام.
أخبرنا القاضي أبو يلعى محمد بن الحسين بن الفراء في كتابه “المعتمد في الأصول” عن أبي حفص العكبري قال: نبأ أبو علي الحسين بن الجندي قال: نبأ أبوطالب بن شهاب العكبرى قال: سمعت أبا بكر محمد بن العباس قال: سمعت صالح بن أحمد بن حنبل يقول: قلت لأبي: إن قوماً ينسبوني إلى توالي يزيد. فقال: يا بني هل يتوالى يزيد أحد يؤمن بالله. فقلت: فلم لا تلعنه. فقال: ومتى رأيتني ألعن شيئاً ولم لا تلعن من لعنه الله في كتابه. فقلت: و أين لعن الله يزيد في كتابه. فقرأ (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَْرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ * أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَ أَعْمى أَبْصارَهُمْ) فهل يكون فساد أعظم من القتل.
و صنف القاضي أبو الحسين محمد بن القاضي أبي يعلى بن الفرا كتاباً فيه بيان من يستحق اللعن فيهم يزيد.
قال: و أنبأنا علي بن عبدالله الزاغولي قال: أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة عن أبي عبيد المرزباني قال: أخبرنا محمد بن أحمد الكاتب قال: أخبرنا عبدالله بن أبي سعيد الوراق قال: حدثنا محمد بن حميد، قال نبا محمد بن يحيى الأحمري قال: نبا ليث عن مجاهد قال: جيئ برأس الحسين بن علي عليهما السلام فوضع بين يدي يزيد بن معاوية فتمثل بهذين البيتين:
ليت أشياخي ببدر شهدوا – جزع الخزرج من وقع الأسل
فأهلوا و استهلوا فرحاً – ثم قالوا: يا يزيد لا تشل!
قال مجاهد: نافق فيها و ذكر قضية الطف و ما فعله بأهله مختصراً ثم ذكر وقعة الحرة و نقل عن ابن حنظلة غسيل الملائكة الذي بايعه أهل المدينة قال: و الله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء، إن رجلاً ينكح الأمهات و البنات و الأخوات و يشرب الخمور و يدع الصلاة، و الله لو لم يكن معي أحد من الناس لابليت الله فيه بلاء حسناً، و ذكر فيه أن مسلم بن عقبة أخذ البيعة من أهل المدينة ليزيد على أنهم خول له و أموالهم له.
و نقل عن المدائني في كتاب “الحرى” عن الزهري أنه قال: كان القتلى يوم الحرة سبعمائة من وجوه الناس من قريش و الأنصار و المهاجرين و وجوه الموالي و ممن لا يعرف من بعد وحر و امرأة عشرة آلاف.
و عن المدائني عن أبي هريرة قال: قال هشام بن حسان: ولدت ألف امرأة بعد الحرة من غير زوج.
ثمّ ذكر محاصرة ابن الزبير و قذف الكعبة بالمجانيق و احتراق البيت و احتراق قرني الكبش الذي فدى الله به إسماعيل و كانا في السقف مما هو مشروح في السير.
و رأيت في تاريخ عبدالملك العصامي أن رجلاً من أهل الشام وقع على امرأة في المسجد النبوي على مشرفه الصلاة و لم يجد خرقة ينظف بها و وجد ورقة من القرآن المجيد فنظف نفسه بها، فسبحان من لم يهلكهم بصاعقة من السماء أو بحجارة من سجيل و إنما يعجل من يخاف الفوت!
و قال السيوطي في “تاريخ الخلفاء”: أخرج أبويعلى في مسنده بسند ضعيف عن أبي عبيدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: (لا يزال أمر أمتى قائماً بالقسط حتّى يكون أوّل من يثلمه رجل يقال له يزيد).
و أخرج نوفل بن أبي الفرات: كنت عند عمر بن عبد العزيز فذكر رجل يزيد فقال: قال أميرالمؤمنين يزيد بن معاوية. فقال: تقول أمير المؤمنين و أمر به فضرب عشرين سوطاً!
و لو أردنا استقصاء ما فعل و ما ورد فيه و ما قالوا فيه لخرجنا عن الغرض المقصود، و فيما ذكرنا كفاية للاستعجاب من هؤلاء الأعلام الذي عدوه من الخلفاء الاثني عشر العاملين بالحق مع هذه المفاسد العظيمة و الرزايا الجليلة التي أصيب بها الإسلام في زمانه و لم يصب بعشر معشاره بعده و بعد الخلفاء الذين عدوهم من الاثني عشر الذي قام بهم الدين و أخبر النبي صلى الله عليه و آله و سلم بأن بعدهم هرج.
و أعجب من ذلك اخراجهم الحسن بن عليّ عليهما السلام من العدد، مع ما عرفت من نصه صلى الله عليه و آله و سلم بخلافته بل انقضائها به و أن الذي يلون الأمر بعده ملوك جبارون لا خلفاء هادون، و ما كان عليه من العلم و الفضل و التقى و السخاء و السيادة و الشرافة و النسب الذي لا يدانيه أحد و المناقب التي لا يحصاها عدد.
قال الحافظ ابن حجر _ الذي أخرجه منهم و أدخل يزيد فيهم في “فتح الباري في شرح صحيح البخاري” في شرح ما رواه عن أبي هريرة قال: أخذ الحسن بن عليّ (رضي الله عنهما) تمر من تمرة الصدقة فجعلها في فيه فقال النبي: كخ كخ أما شعرت إنا لا نأكل الصدقة _ الخبر، ما معناه فإن قيل: لم قال للحسن (أما شعرت) و الحسن بن عليّ كان في هذا الوقت رضيعاً، لقوله (كخ كخ) فإنه لا يقال هذا اللفظ إلا للرضيع؟ قلنا: لأن الحسن لم يكن كغيره، فإنه في هذا السن كان يطالع اللوح، إذ علومهم لدنية و هبوها و لم تكن من العلوم الكسبية التي تتوقف على الكسب و البلوغ إلى حد يمكن فيه الكسب.
و قال (في تقريبه) في ترجمة يزيد بن معاوية: و ليس بأهل أن يروى عنه.
فليتأمل المنصف في هذه الأقوال المتناقضة!
6 – إن يزيد على ما ذكروه خليفة حق و إمام هدى يجب طاعته و يحرم مخالفته و من خرج عليه كان باغياً طاغياً يجب قتله. قال الشهرستاني في “الملل و النحلل”: كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجياً سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين أو كان بعدهم على التابعين لهم باحسان و على الأئمة في كل زمان.
و روى ابن الأثير في “جامع الأصول” عن عرفجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يقول: سيكون هنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة و هي جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان. و في رواية فاقتلوه _ أخرجه مسلم.
و في رواية أبي داود و هنات مرة أخرى و أخرجه النسائي.
و له في أخرى قال رأيت النبي صلى الله عليه و آله و سلم يخطب على المنبر فقال: أنها ستكون بعدي هنات هنات فمن رأيتموه فارق الجماعة أو يريد أن يفرق أمة محمد كائناً من كان فاقتلوه، فان يد الله على الجماعة و أن الشيطان مع من فارق الجماعة يركض.
و عن أسامة بن شريك قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: أيما رجل خرج يفرق بين أمتي فاضربوا عنقه. أخرجه النسائي.
و عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: إذا بويع الخليفتين فاقتلوا الآخر منهما.
و عن عرفجة بن شريح قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يقول: من أتاكم و أمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه. أخرجه مسلم.
و عن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: من تابع إماماً فأعطاه صفقة يده و ثمرة قلبه فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا رقبة الآخر. قلت: سمعت هذا من رسول الله؟ قال: سمعته أذناي و وعاه قلبي.
و قد مر قولهم أنه اجتمع الناس على يزيد فهو إمام حق، لأنه أحد طرق ثبوتها بل أجلها، و قد نص عليه أبوه و جعله وليعهده و خليفته من بعده و هذا طريق آخر كما نص عليه (شارح المقاصد) بقوله و تنعقد الإمامة بطرق:
أحدها: بيعة أهل الحل و العقد من العلماء و الرؤساء و وجوه الناس الذي تيسر حضورهم من غير اشتراط عدد و لا اتفاق من في سائر البلاد، بل و لو تعلق الحل و العقد بواحد مطاع كفت بيعته.
و الثاني: استخلاف الإمام و عهده و جعله الأمر شورى بمنزلة الاستخلاف إلى أن قال:
و الثالث القهر و الاستيلاء، فإذا مات الإمام و تصدى للإمامة من يستجمع شرائطها من غير بيعة و استخلاف و قهر الناس بشوكته انعقدت الخلافة له و كذا إن كان فاسقاً أو جاهلاً على الأظهر _ انتهى.
و قد حصلت ليزيد هذه الطرق، فلا مجال لإنكار حقية إمامته و خلافته.
و نتيجة هذه المقدمات: أن يكون الحسين بن علي بن أبي طالب ابن بنت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قتل بالحق و للحق، لأنه خرج على إمام زمانه الذي كان يجب عليه طاعته و أراد تفريق الجماعة و شق عصى المسلمين، و بيعة جماعة من أهل الكوفة إياه كانت بعد انعقاد إمامة يزيد ببيعة أهل الشام بل سائر الأمصار، فهو الخليفة الآخر الذي يجب قتله بأمر النبي، و لذا لم يفسقوا من باشر قتاله فضلاً عن الأمر به و لم ينزلوه منزلة أدنى المسلمين الذي جعل الله قتله في غير حد و لا قصاص من الكبائر الموبقة بعد الشرك به.
فقال الحافظ جمال الدين المزي في (تهذيب الكمال) في ترجمة عمر بن سعد: قال أحمد بن عبدون العجلي: كان يروي عن أبيه أحاديث، وروى الناس عنه، و هو الذي قتل الحسين و هو تابعي ثقة _ انتهى.
و قال ابن حجر في “شرح القصيدة الهمزية” في كلام له: و كابن العربي المالكي، فإنه نقل عنه أنه قال: ما قتل الحسين إلا بسيف جده، أي لأنه يعني يزيد الخليفة و الحسين باغ عليه و البيعة سبقت ليزيد و يكفي فيهما معظم أهل الحل و العقد و بيعته كذلك، لأن كثيرين أقدموا عليها مختارين لها هذا مع عدم النظر إلى استخلاف أبيه له إما مع النظر لذلك فلا يشترط موافقة أحد من أهل الحل و العقد لذلك _ انتهى.
و الله العالم بما في الالتزام بهذه النتيجة الحاصلة من المقدمات الواضحة التي لا بدّ لهم من الالتزام بها من المفاسد الدينية.
7 – إنهم لم يذكروا المهدي عليه السلام في هذا العدد مع نص النبي صلى الله عليه و آله و سلم عليه بالخلافة، فإن عد في قبال الاثني عشر يزيد في عدد الخلفاء، و ظاهر تمام النصوص السابقة حصر عددهم فيها و إلا فيلزم دخوله عليه السلام فيبطل ما عينوه بالحدس.
و أما النص فقال الحافظ الكنجي الشافعي في كتاب “البيان”: حدثنا الحافظ أبو الحسن محمد بن أبي جعفر أحمد بن علي القرطبي بقرية بيت الاباد من غوطة دمشق و أخبرني بذلك المجلس السيد الوزير الحسن بن سالم بن علي بن سلام و يحيى بن عبد الرزاق خطيب عقربا، قالوا جميعاً أخبرنا أبو الفرج يحيى محمود بن سعد الثقفي، أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن الحسن، حدّثنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن سويد الشامي، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا الثوري، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أسماء، عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: يقتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة لا يصير إلى واحد منهم ثم يجيء خليفة الله المهدي، فإذا سمعتم به فأتوه فبايعوه فإنه خليفة الله المهدي.
قلت: هذا حديث حسن المتن وقع إلينا عالياً من هذا الوجه بحمد الله و حسن توفيقه، و فيه دليل على شرف المهدي عليه السلام بكونه خليفة الله في الأرض على لسان أصدق ولد آدم.
و قد قال تعالى: (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ).
و نقله أبو بدر يوسف بن يحيى السلمي في “عقد الدرر” و قال: أخرجه الإمام الحافظ أبو عبدالله الحاكم في مستدركه و قال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري و مسلم و لم يخرجاه، إلا أن فيه في موضع ثم يجيء خليفة الله الخ. ثم ذكر شاباً _ الخ.
قال: و أخرجه الحافظ أبو نعيم في (صفة المهدي) و أخرجه الإمام أبو عمر والداني في (سننه).
و أخرج مسلم في (صحيحه) عن أبي نصرة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال و لا يعده.
و عن أبي نصرة عن جابر بن عبد الله في حديث قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يكون في أمتي خليفة يحثو المال حثواً و لا يعده عداً.
قال الحريري: فقلت لأبي نصرة و أبي العلاء: أتريان أنه عمر بن عبد العزيز قالا: لا.
و في (مسند أحمد بن حنبل) قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: ليبعثن الله في هذه الأمة خليفة يحثي المال حثياً و لا يعده عداً.
و في “عقد الدرر في أخبار الإمام المنتظر” عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يخرج المهدي و على رأسه غمامة فيها ملك ينادي هذا هو المهدي خليفة الله فاتبعوه.
إلى غير ذلك مما يجده الناظر في أخبار الباب، و حيث أنهم لم يشترطوا التوالي و جوزوا تخلل زمان بلا خليفة من الإثني عشر المنصوصة كما بين يزيد و عبدالملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير فاللازم عليهم أن يخرجوا يزيد بن معاوية منهم و يتموا العدد بالمهدي عليه السلام صوناً للأخبار النبوية عن الاختلاف و المعارضة.
8 – عدهم عبدالملك بن مروان من الخلفاء الاثني عشر العاملين بالحق الذين بعد انقضائهم يصير الهرج و في عصرهم يكون الدين قائماً عزيزاً، و هذا موضع التعجب، أليس في عهدهم هدم الحجاج و أصحابه و الكعبة الشريفة و رموه بالمنجنيق و فعلوا ما فعلوا في حرم الله تعالى من الهتك؟! أليس في عهده استخفوا بأهل المدينة و ختموا في أعناق بقية الصحابة و أيديهم كجابر بن عبدالله و أنس بن مالك و سهل بن سعد الساعدي يذلهم بلذك و جعلوهم بمنزلة العبيد بل المواشي و الأنعام؟!
و من عظم هذه المصيبة الفادحة قال السيوطي بعد نقلها (إنا لله وإنا إليه راجعون)، أليس في عهده ولى الحجاج و العراق و من والاها في عشرين سنة و فعل ما فعل من القتل و الحبس و النهب و الهدم و غيرها من الأمور الفظيعة الشنيعة ما لا يدانيه أحد قبله و لا بعده؟!
حتّى قال ابن الجوزي في كتابه “الرد على المعتصب العنيد”: قال أبو نعيم و حدثنا أبو حامد بن جبلة قال: نبا محمّد بن إسحاق قال: نبا محمّد بن الصباح قال: نبا عبد الله بن رجا عن هاشم بن حسان قال: قال عمر _ يعني _ ابن عبد العزيز لو أن الأمم تخابثت يوم القيامة فأخرجت كل أمة خبيثها ثم أخرجنا الحجاج لغلبناهم.
قال ابن الجوزي: أخبرنا علي بن محمّد بن أبي الدياس قال: أخبرنا محمّد بن الحسن الباقلاوي قال أخبرنا عبدالملك بن بشران قال حدثنا أبو بكر الأجري قال: حدثنا أبو عبدالله ابن مخلد قال حدّثني سهل بن يحيى بن محمّد بن المروزي قال: أخبرني عن عبدالعزير بن عمر بن عبدالعزيز:
قال: لما ولى عمر بن عبد العزيز جعل لا يدع شيئاً مما كان في يده و في يد أهل بيته من المظالم إلا ردها مظلمه فبلغ ذلك عمر بن الوليد بن عبدالملك فكتب إليه: إنك أزريت على من قبلك من الخلفاء و سرت بغير سيرتهم و خصصت أهل قرابتك بالظلم و الجور.
فكتب إليه عمر: أما أوّل شأنك ابن الوليد كما زعم و أمك بنانة تطوف في سوق حمص و الله أعلم بها اشتراها ذبيان من فيئ المسلمين ثمّ أهدها لأبيك فحملت بك فبئس المحمول و بئس المولود ثمّ نشأت فكنت جباراً عنيداً تزعم أني من الظالمين و إن أظلم مني و أترك لعهد الله من استعملك صبياً سفيهاً على جند المسلمين تحكم فيهم برأيك، فويل لك و ويل لأبيك ما أكثر خصمائكما يوم القيامة و كيف ينجو أبوك من خصمائه و إن أظلم مني و أترك لعهد الله من استعمل الحجاج بن يوسف يسفك الدم الحرام و يأخذ المال الحرام و إن أظلم مني و أترك لعهد الله من استعمل قرة بن شريك اعرابياً جافياً على مصر أذن له في المعازف و اللهو والشرب و إن أظلم مني و أترك لعهد الله من جعل الغالية البربرية سهماً في خمسي العرب فرويداً لو تفرغت لك و لأهل بيتك و منعتهم على المحجة البيضاء فطالما تركتم الحقّ و أخذتم في تيهات الطريق و ما وراء هذا ما أرجو أن أكون رأيته بيع رقبتك و أقسم الثمن بين اليتامى و المساكين و الأرامل فإن لكل فيك حقاً _ انتهى.
و في “تفسير النيشابوري” في قوله تعالى (وَ لا تَنابَزُوا بِالأَْلْقابِ): أن الحجاج قتل مائة ألف و عشرين ألف رجل صبراً، و أنه وجد في سجنه ثمانون ألف رجل و ثلاثون ألف امرأة منهم ثلاثة و ثلاثون ألفاً ما يجب عليهم قطع و لا صلب.
و في “تاريخ الخميس”: و توفي في حبوسه خمسون ألف رجل و ثلاثون ألف امرأة، و كان في هؤلاء جماعة من الصلحاء و الأخيار و الفقهاء و العباد، و ما قتل بسببه في الحروب أضعاف ذلك و فضائح أعماله و شنائع أفعاله التي هلكت بها العباد و خربت بها البلاد مشروحة في السير.
و ذكر الفقهاء و المؤرخون أنه كان ارتفاع العراق بعد الفتح إلى زمان الحجاج ثلاثمائة و ستين ألف ألف درهم، و رجع ارتفاعها في زمن الحجاج إلى ثمانية عشر ألف ألف درهم، و ليت شعري بأي خصلة استحق بها الخلافة المعهودة! بصلاحه و عمله و زهده في نفسه؟! أو بنشره و ترويجه معالم الإسلام؟! أو بحفظه و حراسته نفوس المسلمين و قد بلغت قتلاه ما بلغت؟! أو بعمارته و إحيائه الأرضين فإذا كان تعيين الخلفاء المنصوصة بالميل و الجزاف لا بشواهد من الكتاب و السنة و سقط شرط التوالي فيما بينهم فكان ينبغي أن يخرجوا هؤلاء الملعونين على لسان النبي صلى الله عليه و آله و سلم و يجعلوا بدلهم من بني العبّاس خصوصاً بعد ما رووا في حقهم ما يقتضي ذلك:
ففي “تاريخ الخلفاء” للسيوطي قال الطبراني: حدثنا أحمد بن محمّد بن يحيى بن حمزة حدثنا إسحاق عن إبراهيم بن أبي النضر عن يزيد بن ربيعة عن أبي الأشعت عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم رأيت بني مروان يتعاورون على منبري فساءني ذلك و رأيت بني العباس يتعاورون على منبري فسرني ذلك.
فلا أقل من إخراج بني مروان منهم وعد بعض العباسيين الذي بالغوا في مدحهم و حسن سيرتهم و سياستهم مثل المهتدي بالله الذي هو في بني العباس كعمر بن عبد العزيز في بني أمية و أحمد الناضر الذي قال الذهبي: و لم يل الخلافة أحد أطول مدة منه، فإنه أقام فيها سبعة و أربعين سنة و لم يزل مدة حياته في عز و جلالة و قمع الأعداء و استظهار على الملوك، و لم يجد ضيماً و لا خرج عليه خارجي إلا قمعه و لا مخالف إلا دفعه و كل من أضمر له سوء رماه الله بالخذلان، و كان مع سعادة جده شديد الاهتمام بمصالح الملك لا يخفى عليه شيء من أحوال رعيته كبارهم و صغارهم _ إلى آخر ما قال.
9 – إن مقتضى كلام هؤلاء المشايخ العظام انقضاء مدة خلافة الخلفاء الاثني عشر المنصوصة بهلاك الثاني عشر منهم، و هو الوليد بن يزيد بن عبدالملك الذي قال السيوطي في (تاريخه) كان فاسقاً شريباً للخمر متهتكاً حرمات الله أراد الحج ليشرب فوق طهر الكعبة فمقته الناس لفسقه و خرجوا عليه فقتل.
و في “تاريخ الخميس”: ذكر الذهبي بإسناده عن عمر قال: ولد لأخي أم سلمة ولد سموه الوليد فقال صلى الله عليه و آله و سلم سميتموه بأسماء فراعنتكم ليكونن في هذه الأمة رجل يقال له الوليد لهو أشد لهذه الأمة من فرعون لقومه.
و أخرجه الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيتمي القاهري الشافعي تلميذ الحافظ العراقي في الجزء الثالث من كتابه: “مجمع الزوائد” في باب فتنة الوليد قال: رواه أحمد و رجاله ثقات _ انتهى.
و نقل في التاريخ المذكور عنه من كفرياته كثيراً من ذلك: أنه دخل يوماً فوجد ابنته جالسة مع دادتها، فبرك عليها و أزال بكارتها، فقالت له الدادة: هذا دين المجوس، فأنشد:
من راقب الناس مات غما – و فاز باللذة الجسور
و أخذ يوماً المصحف ففتحه فأوّل ما طلع (وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) فقال: أتهددني، ثمّ أغلق المصحف و لا زال يضرب بالنشاب حتى فرقه و مزقه ثم أنشد:
أتوعد كل جبار عنيد – فها أنا ذاك جبار عنيد
إذا لاقيت ربك يوم حشر – فقل يا رب مزقني الوليد!
و أذّن للصبح مرة و عنده جارية يشرب الخمر معها فقام فوطئها و حلف لا يصلي بالناس غيرها فخرجت و هي جنب سكرانة فلبست ثيابه و تنكرت و صلّت بالناس، و نكح أمهات أولاد أبيه _ انتهى. إلى غير ذلك من شنائع الأعمال المذكورة في التواريخ.
و مع ذلك كيف يكون من الخلفاء الذي كان الدين في زمنهم عزيزاً منيعاً و بموتهم و هلاك آخرهم في سنة ست و عشرين و مائة صار الإسلام ذليلاً و الدين مهيناً و وقع الهرج و الفتن، مع أنه خالف الحس و الوجدان؟ فإن قوة الدين و عزه بعز حملته و نقلته و سدنته و كثرتهم و عز من يربيهم و يحرسهم و يعينهم، و لا شك أن في دولة بني العباس إلى أن يرجع الأمر إلى سلاطين آل عثمان حماة الدين و حفظة الإسلام ملأ الآفاق من العلماء و الفقهاء و المحدثين و الأدباء و القراء الجامعين للسنن و الحافظين للقرآن المؤلفين في العلوم الشرعية و المعالم الدينية بما لا يحصى عده، و هم مع ذلك فارغوا البال من هموم تهية أمور المعاش باهتمام ولاة الأمور في إصلاح شؤونهم و سد خلتهم و لم شعثهم لا هتك بيت الحرام في عصرهم و لا صلّت الجنب السكرانة بالناس في مسجد دار خلافتهم و لا مزق المصحف من نشاب خليفتهم.
فأيّ عز كان في عصر بني أمية فقد بعدهم؟! و أيّ ذل ورد على الدين الحنيف بعدهم أفظع و أشنع مما فعلوا؟! و من جميع ذلك يظهر أن ما ورد في الأخبار النبوية الشريفة من ذكر الخلفاء الاثنى عشر بمعزل عما ذكروا و رجحوا و صححوا.
10 – أن ظاهر جملة من الأخبار المذكورة و صريح بعضها أن بانقضاء الثاني عشر منهم ينقضي أمر الدين وتظهر علامات الساعة و تقوم أشراط القيامة و يصير الهرج و ينخرم نظام الأمور فلا آمر ولا مأمور و لا إمام و لا مأموم، و قد تقدم بعض ما يدل على ذلك.
و أخرج أبو داود في (صحيحه) بإسناده إلى النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: لا يزال الدين ظاهراً حتى تقوم الساعة و يكون عليهم اثنى عشر خليفة كلهم من قريش.
و أخرج مسلم في (صحيحه) من رواية سعد بن أبي وقّاص أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال يوم جمعة عشية رجم الأسلمي: لا يزال الدين قائماً حتى تقول الساعة يكون عليهم اثنى عشر خليفة كلهم من قريش.
و أخرج عبد الله بن بطة العكبري في “الابانة” بإسناده عن عبد الله بن أمية مولى مجاشع عن يزيد الرقاشي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم لا يزال هذا الدين قائماً إلى اثني عشر من قريش فإذا مضوا ساخت الأرض بأهلها. و في نسخة ماجت.
و لا يخفى على الناظر المتأمل في هذه الأخبار دوام قيام الدين و ظهوره و غلبته و سكون الأرض و قرارها بوجود الخلفاء الإثني عشر، و بانقضاء خاتمهم تقوم الساعة، فيكون الثاني عشر هو المهدي بالاتفاق، إذ هو الخليفة المنصوص الذي بانقضاء مدته تظهر أعلام القيامة بل ظهور وجوده المقدس عد منها.
فلو فرض خلو زمانه بعد النبي صلى الله عليه و آله و سلم إلى زمان ظهوره عليه السلام من خليفة منهم لزم عدم قيام الدين و ذلته و اضطراب الأرض و ظهور الفتن و الهرج قبل انقضاء الاثني عشر، و هو خلاف صريح هذه الأخبار الصحيحة، فيكون زمان وجودهم منطبقاً على زمان رحلته إلى زمان ظهور أعلام الساعة.
و بعد عدم جواز زيادة عدد عليهم وكون الثاني عشر هو المهدي لابد من الالتزام بولادته، فيكون هو الحجة بن الحسن عليهما السلام إذ لا قول ثالث بين المسلمين بعد إخراج المنتحلين.
11 – نقول أنّه لا يقبل العقل السليم و الفهم المستقيم أن يأمرهم بإتباع من يجب معرفته و متابعته ويكون الهلاك في الجهل به و عصيانه و التخلّف عنه و لا يعيّنه لهم، هذا لعمري مما يجب تنزيهه صلى الله عليه و آله و سلم فإنه ما أمر باتباع رجل مجهول و التمسك بحجزة من لا نعرفه، و أخذ أمور الدين ممن لا نعلم اسمه و لا وصفه، مع ما علم من غلبة الأهواء على أغلب النفوس البشرية، و رسوخ حب الرئاسة و العلو في أكثر القلوب، فلا يأمن من يدعي في كل عصر جماعة ممن حازوا شرف النسب أنهم هم، كما أخبر صلى الله عليه و آله و سلم بذلك في خصوص دعوى المهدوية بل النبوية كما في إخباره صلى الله عليه و آله و سلم عن الكذابين بعده في أحاديث كثيرة.
أما الإمامية فعندهم نصوص كثيرة متواترة عنه صلى الله عليه و آله و سلم فيها ذكر أساميهم الشريفة و كذا عن عليّ عليه السلام و عن كل واحد منهم و لكنا لم نحتج في هذا المختصر بخبر واحد من و راياتهم و لم نتشبث بكلام واحد من علمائهم و لكن وجدنا جملة من أحاديث حفاظ أهل السنة مثل رواياتهم و قد مرّ بعضها و الباقي مذكور في المطولات.
12 – لحق لإمامية أن يقولوا لجماعة من أهل السنة الذي يزعمون عدم ولادة المهدي عليه السلام من غير دليل من الكتاب و السنة: إن كان المراد من أهل السنة هم الذين يتبعون سنة النبي صلى الله عليه و آله و سلم و يعملون به فنحن أحق بهذا الاسم لأنا اتبعنا سنته في جميع الطوائف من الأحاديث التي ذكرنا بعض طرقها، فإنا نعتقد أن الحجة بن الحسن هو المهدي عليه السلام، و هو إمام الزمان الذي من لا يعرفه كانت موتته موتة الجاهلية، و هو شريك القرآن الذي من تمسك به لا يضل أبداً و هو السفينة التي من اعتصم بها نجى و هو العدل من أهل بيته صلى الله عليه و آله و سلم ينفي عن الدين _ الخ، و هو الأمان لأهل الأرض من الهلاك، و هو الخليفة الثاني عشر ممن أخبر ببقائهم إلى يوم القيامة، و هكذا كل ما ورد من هذا القبيل لما مر من دخوله عليه السلام في جميعها.
فلو سأل أحد من جناب الناظم الذي زعم عدم ولادته و استغربها:
من إمام زمانك الذي إن متّ و لم تعرفه هلكت؟
و من الثقل الذي هو شريك القرآن في هذا العصر الذي إن لم تتمسك به ضللت عن السفينة من آل محمّد عليهم السلام في أيامك هذه التي إن لم تركبها غرقت؟
من الخليفة من أهل بيت النبي الذي إن لم تتبعه زللت عن باب حطة الذي إن لم تدخله في قرنك هذا هويت؟
من العدل من العترة الطاهرة الذي إن لم تطعه غويت؟
فإن أنكر وجوب وجوده في هذه الأعصار فهو الخلاف الصريح لتمام هذه الطوائف من الأحاديث، و إن قال بوجوده فليمنّ على معشر الإمامية ببيان نسبه و حسبه و مكانه مشروحاً مبرهناً فهو غاية المنى، و إلا فلا يليق للمتجاهر بمخالفة هذه السنن الأكيدة أن يقيم نفسه مقام الاعتراض و الإيراد بما هو مسطور مع أجوبته في الكتب بقرون قبل ذلك و يثير الفتنة و كانت نائمة و يباغض بين القلوب و هي سالمة فهو للاشتغال بإصلاح معتقده أحرى من التعرض لطائفة أخرى.
____________
1- الصواعق المحرقة: 19. وتاریخ الخلفاء للسیوطی: 12. وعلى هذا یکون لأتباع مدرسة الخلفاء، إمامان منتظران أحدهما المهدیّ، فی مقابل منتظر واحد لأتباع مدرسة أهل البیت.
2- أشار إلیه النووی فی شرح مسلم 12: 202 ـ 203. وذکره ابن حجر فی فتح الباری16: 338 ـ 341. والسیوطی فی تاریخ الخلفاء: 10.
3- نقله ابن کثیر فی تاریخه 6: 249 عن البیهقی.
4- فتح الباری 16: 341. والصواعق المحرقة لابن حجر: 19.
5- فتح الباری 16: 338.
6- شرح النووی 12: 202. وفتح الباری 16: 339 واللفظ للأخیر.